بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» حقيبة الاستاذ " ملتقى تكويني " بطاقة المرافقة للمتربص
الأحد يناير 04, 2015 10:48 pm من طرف سهام الجزائرية

» في مفهوم تعليمية المادة
الأحد يناير 04, 2015 10:05 pm من طرف سهام الجزائرية

» التدريس فنياته و آلياته
الثلاثاء ديسمبر 23, 2014 12:04 am من طرف myahia

» التكوين : مفهومه ، أهدافه ، آلياته
الإثنين ديسمبر 22, 2014 11:39 pm من طرف myahia

» عذرا فلسطين
الجمعة مارس 14, 2014 8:05 pm من طرف سهام الجزائرية

» ملتقى ولائي 10 مارس 2014
الأربعاء مارس 12, 2014 11:00 pm من طرف myahia

» ما أجمل اللغة العربية
الأربعاء فبراير 19, 2014 8:46 pm من طرف سهام الجزائرية

» و جادلهم بالتي هي أحسن
الثلاثاء فبراير 18, 2014 3:15 pm من طرف سهام الجزائرية

» قصة و عبرة
الجمعة فبراير 14, 2014 1:32 am من طرف myahia

التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني



سحابة الكلمات الدلالية

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 3 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 3 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 171 بتاريخ الثلاثاء يونيو 12, 2018 11:35 am
أكتوبر 2018
الأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبت
 123456
78910111213
14151617181920
21222324252627
28293031   

اليومية اليومية

التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني




أصول التفكير النقدي الغربي / أ.د.حبيب مونسي

اذهب الى الأسفل

أصول التفكير النقدي الغربي / أ.د.حبيب مونسي

مُساهمة من طرف الباحث في الأربعاء مارس 21, 2012 1:02 am

قد لا تظهر آثار الجدل القائم بين التّصورات المثالية والمادية، في ثنايا الكتابات النقدية واضحة، بشكل يلفت الدّارس إلى عمق وخطورة المسألة، في عرضها لنموذجين من التفكير، يبتغيان الوصول، عبر سبل خاصّة، إلى “الحقيقة“، وإن كانت هي الأخرى مثار جدل في تحديدها قيمة، وتعيين مصدرها مرجعا. وسواء عرضنا قيمة الحقيقة في ثوبها المثالي أو المادي، فإنّها تقدم في تمظهراتها العملية أنماطا من المقاييس والمعايير المتفاوتة، والتي تتطلّب من الدارس فحصها ، حتى يتأكد من صدق المعيار، ومن قوة مرجعيّته.


لقد صارت “الحقيقة” “إنسانية” منذ الانشقاق “البرتستاني”، وقيام ” الفردانية” مفهوما “مثاليا” في نفوس الباحثين عن ” الحقيقة”، تّتخذ من الفرد منطلقا لها لترتاد مجالات الحياة، بحثا عن مقياس تسند إليه تصّوراتها. فكانت الحقيقة – وراء ذلك المبتغى- مطلبا سريع التحوّل والتبدّل، يفتقر إلى حجر الزاوية لثباته واستقراره. وعملت المفاهيم النّسبية للأخلاق، والتاريخ، فعلها في تكوين الاقتناع بالتّحول المستمرّ للأفكار، والمعاني والأشياء، على حدّ سواء. وكأنّ التاريخ نهاية الأمر هو: » المسيرة الضرورية للإنسان في الزمن نحو تحقيق غاية محايثة له « (1) وفي صلبه حتمية تجبر الإنسان على السيّر في مضمار المشاريع المتعلقة بالغايات العاجلة والآجلة، والتي تستغرق الأجيال، دون أن تنال حظ التّحقق المادي.
وتظل الذات في خضم التّوالي الزمني، مرهونة بالغاية الوضعية التي أقامت عليها وجودها، وماهيتها في آن. ولا يفهم أبدا- من هذا التّصور- أنّ الأفراد يصنعون تاريخهم بوعي ومعرفة منهم، لتعلّق السّيرورة بالغاية القصدية الفردية ، بل إنّ التّعدّد في المطالب لا يجعل التاريخ واحدا في تياره الزمني، ولكنّه يتّخذ شكل المحاولات، غير المكتملة، القائمة وراء الغايات الفردية. ويتعذّر على “المحاولات” الفردية أن تقيم لنفسها سندا، تؤول إليه لوزن إنجازاتها، وتقويم الحاصل منها حتى تعتبره “كاملا” ، “جميلا“، “نافعا“، لأنّها تعجز دوما عن تجاوز الزّمنية المتوالية، التي تدرجها في الواقع المتحوّل. فلا تجد خارجه ما يقوي فرضياتها.
لقد أوجدت أبحاث “القيم” و” الحقيقة”- على المستوى الفلسفي- جدلا تجاوز التّصورات المثالية والمادّية، وطرحت أسئلة تخامر الوجود الإنساني من حيث كونه موجودا بين قيمة وواقع: واقع تطلّب تحقيق “قيمة” أسمى منه وأعلى، مادام الواقع – في أي شكل أخذناه – وسيطا يمكّن الذّات من حرّيتها ووعيها في إجراء التحقّق المطلوب آنفا. وعليه كان ارتباط القيمة بالوجود لأنّه: »لا يمكننا أن نتصوّر حكم قيمة بدون إشارة إلى وجود« (2). ولا يعني ذلك أبدا إخضاع القيم للوجود تحقّقا، لأنّ مثل هذا الزّعم يجعل “القيمة” متحوّلة بتحوّلاته، مقصورة على مواصفاته. وإخضاع القيمة للوجود حطّ من قيمتها وشأنها. وقد اعتبر “لوسين” “Le Senne” أنّ الوجود هو الآخر قيمة: »لأنّنا نعثر فيه على الأساس الصّحيح للحقيقة« (3).
1. المعيار: الحقيقة والقيمة.
تماشيا مع التّصورات المثالية والمادّية، فإنّ البحث في القيمة والحقيقة يجعل منها “شيئا” مطلقا صعب التّحقيق والمنال، يتمّرد على التّحديد والتّعيين عند المثاليين. أو مجرّد ردّ فعل تعسّفي، ذاتي، نسبي، عند المادّيين. ولا يكشف ترسّم خطا الحقيقة في الفكر الغربي إلاّ انحدارا في سلّم القيم، وتدّن خطير، لا يفصح إلاّ عن خلخلة رهيبة في الوضع البشري المعاصر. وقد يكون من السّهل والواضح – فيما نسعى إليه – مراقبتها من خلال الجدول الذي صاغه ” هرمان خان” “H.Kahn” و”أنطوني فينر” “A.Wienner“(4)، استنادا إلى “سروكين” “Sorokine” في بحث عن” المجتمع والديناميكيات الثقافية” (5)، وشكّلاه على النحو التالي:

كلاسيك
حديث
معاصر
موحية
Révélée
تجريبية
Empirique
مستخفّة
Cynique
روحية
Charismatique
نفعية
Pragmatique
مخيّبة
Désillusionnée
يقينية
Certaine
عملية
Opérationnelle
عدميّة
Nihiliste
معيارية
Dogmatique
تطبيقية
Pratique
سديميّة
Chaotique
صوفية
Mystique
أرضية
Terrestre
متقزّزة
Blasée
حدسية
intuitive
علمية
Scientifique
وقتية عابرة
Transitoire
معصومة
Infaillible
شكيّة
Septique
سطحية
Superficielle
دينية
Religieuse
تجريبية
Expérimentale

متعبة
Fatiguée
فوق حسية
Supra-Sensorielle
ناقصة
Faillible
مصطنعة
Sophistiquée
علوية
extraterrestre
حسية
Sensorielle
شكلية
Formaliste
روحية
Spirituelle
مادية
Matérialiste
كافرة
Athéiste
مطلقة
Absolue
آلية
Mécanique
مبتذلة
Triviale
أخلاقية
Morale
نسبية
Relativiste
متغيرة
Changeante
عاطفية
Emotionnelle
لا أدرية
Agnostique
دون معنى
Sans Signification
أسطورية
Mythique
وسائلية
Instrumentale
مغتربة
Aliénée
محلّلة منطقيا وتجريبيا
Empiriquement ou logiquement vérifiable
انتهازية
Opportuniste




نسبية
Relativement, relativiste




(6)

قد لا تكون في ترجمة (Sensate) بـ”المثير” حقيقة ما يريده ” سروكين” من “المصطلح” ولكنّنا نلمح – من خلال العرض – أنّه يريد منه أن يدل كذلك على معاني: إنساني، تجريبي، أرضي، .. وقد تعذّر على المترجم الفرنسي إيجاد مقابل صريح للّفظ الذي استعمله “سروكين”، وهو يصرّ على نفي معنى “الإثارة” “Sensation“، إلاّ إذا استشعرنا من خلاله المعاني الحافة التي ذكرناها. ومهما يكن من أمر المصطلح فإنّه يحاول أن يتّسع ليشمل حقبا زمنية توالت على الفكر الغربي، ووسمته بطابع خاص، يمكّن الدّارس من إدراجها في زمرة واحدة نسّميها “الحداثة”. وبذلك تكون الحداثة الغربية مقرونة بالتّحول الكبير، والقطيعة الأولى مع الكلاسيكيات القديمة والجديدة. ويمكن تأريخ المبتدى بالقرن الرابع عشر الميلادي. ذلك القرن الذي شهد ميلاد مقولات المنهج، والعقلانية ، وتخلّقت فيه صفات الفردانية،والإنسانية. والتي حوّلت وجهة “الحقيقة” “Vérité” من السماء إلى الأرض.
ويمكننا – تقريبا للفهم – استعمال مصطلحات مألوفة مشبعة بالتاريخية:”الكلاسيك”، و”الحديث”، و”المعاصر”، لترسّم خطوات الفكر الغربي الثّلاث، في تدّرجه من وعي لآخر، مؤكّدين على حدوث ” قطيعة” شبه تامة بين المرحلتين الكلاسيكية والحديثة. ولا نقصد بـ “القطيعة” “Rupture” ما يراد منها في حرفيتها، بل نبتغي وراءها تعيين تحوّل الوعي إلى وجهة أخرى، والالتفات من السماء إلى الأرض، ومن الأخروي إلى الدنيوي. حينما غدت الحقيقة نسبية بعدما اختفت علوية المصدر، وحُجبت بالمنهج العلمي، والمطلب الفرداني، وانغلاق دائرة الكوّن والوجود حول الإنسان انغلاقا محكما.
1.1. الحقيقة المثالية: الثّبات والاستمرار.
لا تستطيع “الحقيقة” أن تكون مطلقة ( مثالية) إلاّ إذا أدرجت في نظام شامل للمعرفة، تحتلّ فيه الحقيقة القطب الأعلى الذي تنتهي إليه الحركة المعرفية، في ارتقائها التّدريجي إلى قمة “الهرم” المعرفي. وفي هذه الحالة لا يكون للعلم “المفرد” من مزيّة خاصة إلاّ في كوّنه رافدا من روافد المعرفة إلى الحقيقة الكلّية. ولا يكتسب العلم “استقلاليته” لأنّه لا يجد في كيانه حقيقته، بل يستمدها من نظام أشمل وأكمل. وتكون المعارف في تجاورها وتثاقفها، تعمل على تحقيق “غايات” دنيا وأخرى قصوى، تتضافر فيها النتائج تباعا لبلوغ الحقيقة الكلّية. وقد سمىّ “روني غنيون” “R. Guenon” هذه الحركة الكلية “بالعجلة الكونية” تتوسّطها الحقيقة المطلقة،
وينتظم هذه العجلة تياران: تيار نازل يتشكّل من المبادئ والقيم إلى الإجراءات المتباعدة للعلوم الجزئية والدّقيقة، يهذّب إرادتها، ويوحدّ مبتغياتها البعيدة، ويسّطر أخلاقياتها، ويؤطر إجراءاتها العملية، حتى لا تشتطّ بعيدا في استعمالات تجافي الأخلاق والأعراف، تتنافى والمبدأ العام للمعرفة، والغاية القصوى للحقيقة. وتيار آخر صاعد من الإجراءات إلى المبدأ العلوي لتحقيق الهدف الأسمى للعلم والمعرفة. وقد نجد في الانطلاق من الفكرة إلى المبدأ، من العالم المحسوس إلى المعنى، المبدأ الذي جعل الأديان السماوية منطلقا لحركات حضارية كبرى. ولذلك عملت المذاهب الدنيوية على انتهاج السبيل نفسه.ومن ثم توحيد الجهود المعرفية لخدمة مبدأ أعلى يجسّد المبتغى المستقبلي الذي تسعى إليه الحركة. وليس من باب الاعتباط أن تجعل الماركسية الفكرة امتدادا للمادّة، مادامت ترى فيها تمكينا لها.وقد أكدّ”الله عز وجل” على التقاطع بين الفكرة والمادّة في قوله تعالى:{وأعدو لهم } (الأنفال 60) مادام الإعداد تمكينا للفكرة. وليست تقنيات الإعداد إلاّ فرعا من فروع المعرفة التي تتدرّج في إطار كلّي، خدمة لمبدأ علوي واحد.وعلى هذا الأساس، فالمزيّة التي يكتسبها العلم، تأتيه من كوّنه في خدمة الفكرة، وهو – وإن كان غارقا في التّقنية والمادية – افتراع لمذاهب غيبي يلعوه ويوّجهه، وإليه تنساق النتائج في تتابعها نحو غاية واحدة. وهو من جهة ثانية تطبيق عملي للمذهب في كونه رابطا للحقائق الجزئية، و دامجا لها في الوحدة الكلية المعرفية الكبرى. وقد رأى “روني غينون” أنّ تبعية المحاولات التطبيقية التّخصصية للفكرة الغيبية يكسب هذا العلم قدسيته. كما أنّ ابتعاد العلوم الغربية عن هذا المسعى يجعلها علوم مدنّسة “Sciences Profanes“(7).
إنّ العلوم المقدّسة ” Sciences Sacrées” : » لا تتشكّل إلاّ من طرف أولئك الذين يملكون كلّية المعرفة بالمبادئ. ومن هنا يكونون مؤهلين لإنجاز الإجراءات حسب اقتضاءات الزمان والمكان. وعندما تكون العلوم المقدسة مشكّلة على هذا النحو، يمكن للتّعليم أن ينهج خطا عكسيا: أي أنّ الإجراءات هي تمثيل للمذهب المحض.كما أنّها تسّهل إدراكه« (Cool. وليست هناك أفضلية تذكر لمعرفة على أخرى، مادامت كلّ المعارف في درجة واحدة، وذات هدف واحد مقدّس ، تجتهد لبلوغه بوسائلها الخاصة. وكلّما اقتربت من تجسيد المبدأ كانت في حالة من الإشراق والوضوح والشّمول. ولا يمكن إقصاء الفنون – كما قد يتبادر للأذهان من هذا المجال – إذ هي حوامل للتّأمل، والتدّبر، والتّطهير. وإذا عمّت هذه النّظرية كافة مجالات المعرفة، انتفت المعارف “المدنّسة”، بل يتعذّر وجودها، وكلّ ما في الأمر أنّ هناك “رؤى مدّنسة” سرعان ما تذوب في إشراقات المعرفة الموحّدة.
ويعمد “روني غينون” إلى مقارنة بين المعرفة المقدّسة ( التقليدية) والمعرفية العلمية الحديثة، فلا يجد في هذه الأخيرة إلا التّعدد والشّتات ، أو ما أسماه “بالضياع في التنوع “Perte dans la diversité” و”التّعدد” “Multiciplité” لا يؤمِّن للإنسان رؤية واضحة للعالم والوجود من حوله. بل يتركه سجين القلق الدائم، والغربة والضّياع. وهي بذلك “معرفة جاهلة” “Savoir ignorant” لا ترقى أبدا أولى درجات الحقيقة. فهو إن وعى ذاته، يعجز كلية عن إدراك ما يتجاوزها(9).
إنّ الصورة التي عرضها “رونى عينون” هي التي تتيح إنتاج “حقيقة”.. موجبة، روحية، يقينية، معيارية، صوفية، معصومة، مطلقة، أخلاقية.. لأنّ المعارف في تضافرها تسعى إلى التّدليل على حقيقتها وجدارتها. وكلّما استمدت المعرفة من مصدر علوي مبادئها ، فإنّها تظل مشدودة إلى تلك المبادئ لا تبرحها ولا تريم. وكلّما ابتعدت في فتوحها عادت إليها. لتجد فيها أصولها التي تجدّد توثّبها نحو المعرفة الخاصة. إنّ وصف الحقيقة “بالموحية” دليل على قدسية منبعها، فهي مُبلّغة للإنسان بواسطة جملة المبادئ والقيم التي يجب عليه مراعاتها في معاشه جدّا وهزلا. لأنّها سُبل تؤطّر حركته الحياتية.
لقد أدرك “سروكين” السّمات الحقّة ” للحقيقة” إذا تفصّدت عن مصدر علوي “مثالي”، وأنّها لن تكون إلاّ متعالية تستغرق الإنسان في أبعاده المختلفة. ولذلك حشد لها النّعوت التي تجعلها مفارقة للبشر، خارجة عن نطاق الأرضي، والزّمني، والإنساني، تتجاوز حدود التّعيين المعقلن، والقياس المبتسر. بل هي أطر واضحة المعالم. تشمل الوجود في كلّيته لتصنع قيمه ومعاييره. وتكون الحقيقة “المثالية” “اليقينية” “Certaine” الصادرة عن “الله” – عز وجل-. معيارا تقاس به جميع القيم الأرضية، وتؤول إليه جميع التقديرات المستحسنة والمستهجنة. فهي- في يقينيتها- تقف خارج الزمن، معيارا أزليّا تنتهي إليه كل الاجتهادات البشرية في مجال القيمة والنّوازل على حد سواء.
لقد كشف البحث السوسيولوجي أنّ المجتمع الذي يسوده الإيمان بالحقيقة العلوية مجتمع آمن، مطمئن، ثابت، مستمر، مبدع، لا يشهد حركات التّمرد – إلاّ نادرا – ولا يشجّع عليها، حتى وإن اتهمه دعاه “النّسبية” “Relativistes” بالتّكرار والتّماثل، لاعتقادهم أنّ ثبات المعيار، يولّد حتما ثباتً الشّكل والمضمون. وذلك وهم مردود من وجهين: ذلك أنّ المعيار الذي يشهده المجتمع القائم على الحقيقة المثالية معيار واسع يؤطر ولا يحدّ، يتيح المجال ولا يضيّق. والمعيار الذي يلحدون إليه قاعدة ضيّقة، صاغها الذّوق الفردي في زمن خاص، وبيئة خاصة. فهو إن كان يصلح للأول ويناسب مبتغاه الفني، فإنّه لا يناسب التالي ولا يجاري اهتمامه وذوقه.
2.1. الحقيقة الحديثة: القطيعة والنّسبية.
يصف “جاك شوفالية” “J.Chevalier ” الحقيقة المثالية وديناميتها قائلا: »إذا كان امتلاك الحقيقة قصدنا النهائي، وغبطتنا الكبرى، فإنّ هذا المبتغى لا يمكن تحقيقه في الدنيا. إنّ معرفة الحقيقة هو البحث عنها دوماً لكي يظل الفكر مفتوحاً دائماً.. إنّ القلق مساو للفرحة المشدودة نحو الكمال الذي ينفلت منها في الوقت الذي تظنّ أنّها أمسكت به، والذي لن تملكه أبداً )« 10). ف “شوفالية” – وهو المسيحي المؤمن – يؤخّر الحقيقة إلى العالم الأخروي، ويقصر مهمّة البحث المستمر عنها في هذا العالم المتحوّل. وذلك -لعمري- إجهاد للفكر الإنساني في مضمار صعب، وهو يعلم – سلفا – أنّ محاولاته لن تجدي نفعاً، وأنّ الحقيقة الممتنعة قائمة – هناك – وراء العالم، ومهرها فناء الذات، أو إفناؤها في أتون البحث المستمر. حتى ولو بدا تعبير “شوفالية” “مشرقاً”، فإنّ العنت جاثم وراء كلّ تقرير، وأنّ مصير الإنسان أن يقنع بالقعود – في خضم المحاولات المتتالية – بعيداً عن الحقيقة في مطلقيتها وعلويتها.
لقد حاول الإنسان الغربي التملّص من هذا القدر اللاّزب، وتخطّي هذه العقبة الكأداء التي تقف في وجهه، وتحول دون انطلاقه. لقد كانت الثورة البرتستانية المحاولة الأولى لنفي العجز، وفتق الحجب المسدلة دون الحقائق في بساطتها. بيد أن العقل الغربي – في توثّبه – لم يكن ليتوسّط في مسعاه، ويقتصد. بل جعل الذّات – في تقلقُلها واضطرابها – مركز البحث الجديد عن الحقيقة الجديدة.
وعندما نؤرّخ للفكر الحديث – وللحقيقة الحديثة في جدول “سروكين” – نجد القطيعة المعرفية – تقوم كما حدّدها “شوفالية” – في اليوم الذي تساءل فيه الناس عن انقلاب المنهجيات، في ذلك اليوم : »ولد الفكر الغربي من التطور العلمي التجريبي، ومن تشكّل منهجية التحليل، ومن ذلك اليوم، والعلم يطمح لأن يكون بالنسبة للفلسفة ما كانه اللاّهوت للدين في القرون الوسطى: غذاءها الأساسي ومبدأها المنظّم ) « 11).ومن ثمّ كان دحض العلم للاّهوت السمّة المميّزة للفكر الحديث، وغدا الالتفات إلى اللاّهوت كمعرفة تمتلك ” الحقيقة” الثابتة قضية مردودة، تدفعها الملاحظات العلمية البسيطة، ويردها التّدليل العقلي الممنهج. وكلّما تحرك العقل تجاه “اللاّهوت” – باعتباره مالكا للحقيقة المقدسة -كلّما كشف عن عورات تزداد اتّساعاً وفتقا، عندما تسلّط عليها أنوار العلم والتجربة.
لقد تحتّم على الإنسان الغربي أن يدير ظهره للاّهوت معرفةً، وهو يرى سطوة “المنهج” بين يديه لا تبقي ولا تذر في الادعاءات القديمة والقناعات الرّاسخة. لقد كانت البرتستانية “أنسنة” للدين من خلال توليدها للنقد المحلّل، والذي غدا في أيدي مؤرخي الأديان وسيلة لقتل الدين ومحوه. فالبرتستانية مشحونةً بروح الرّفض الذي يغذيّها ويدفعها إلى اعتبار “الفردانية” قاعدة للفهم في المجالات التي تتجاوز الذات كلية. ولست الفردانية إلاّ إنكاراً لكل علوية خارجية.
ولا يمكن فهم النّعوت التي حشدها “سروكين” في الخانة الثانية من جدوله، إلاّ من خلال معرفة الملامح العامة للعصر الحديث. وتفكيك مقولة الحداثة في مستواها الفكري والإجرائي. لأنّ قراءة النعوت التالية: تجريبية، عملية، تطبيقية، شكّية، ناقصة، حسية، لا أدرية… لا يكشف – في يسر – عن الحمولات المعرفية التي تقف أصولا وراءها. ولا يمكن فهم التّحول من: الموحية إلى التجريبية، إلاّ من خلال الوعي الحاد بالقطيعة التي شهدها الفكر الغربي وتأثر بها أيّما تأثر. حين تأسّست أنماط الفكر فيه على قيم جديدة، قد يرى فيها بعضهم عودة قوية إلى الماضي الإغريقي، وإحياء “للوثنية” و”الغنوصية”، وقد يرى البعض الآخر “ابتداعاً” نحته الفرد الغربي من ذاته، ووضعه بعيداً عن المرجعيات الإغريقية والمسيحو/ يهودية “Judeo.Chrétienne “.
هوامش :
1-أضلفو باسكيز: البنيوية والتاريخ ص: 7 (ت) مصطفى المسناوي دار الحداثة ط1 1981 بيروت.
2-الربيع ميمون: نظرية القيم في الفكر المعاصر ص: 40 الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر 1980.
3. RENE le Senne. La destinée personnelle. P.246. FLAMARION. 1941.
4. HERMAN khan et Anthony J. Wiener. L’an 2000. La bible de 30 prochaines années. P 85. Marabout Université 1972. FRANCE.
5. P.A. SOROKINE. Social and Culturel Dynamics. (New York Bedminester Pres. 1962) Vol 1.
6. HERMAN Khan et anthony. OP Cit. P: 85.
7. René GUENON. La crise du monde moderne. P: 63. ed Bouchene . Alger 1990.
8. IBID. P: 64.
9. Voir. IBID P: 66.
10. Jaques Chevalier; la pensée chrétienne P: 155. Flammarion (Paris 1956).
11. IBID. P: 17, 18.
avatar
الباحث
عضو مجلس الإدارة
عضو مجلس الإدارة


عدد المساهمات : 38
الفاعلية : 10
تاريخ التسجيل : 14/03/2012

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أصول التفكير النقدي الغربي / أ.د.حبيب مونسي

مُساهمة من طرف myahia في الأحد مارس 25, 2012 7:05 pm

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

_________________
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
avatar
myahia
المدير العام
المدير العام


عدد المساهمات : 331
الفاعلية : 4
تاريخ التسجيل : 11/02/2012
العمر : 40
الموقع : البيت

http://arab2-daz.arabepro.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أصول التفكير النقدي الغربي / أ.د.حبيب مونسي

مُساهمة من طرف abbassia في الثلاثاء أبريل 17, 2012 11:51 pm

الأستاذ حبيب مونسي فحل من فحول النقد المعاصر، له منا كل التقدير I love you
و لك منا زميلي الباحث كل الشكر لإثارتك مثل هذا الموضوع القيم. study
avatar
abbassia
مشرف
مشرف


عدد المساهمات : 112
الفاعلية : 10
تاريخ التسجيل : 15/03/2012
الموقع : سيدي بلعباس

http://arab2-daz.arabepro.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى